حققت المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقدمًا ملحوظًا خلال العقود الماضية، مدعومة بارتفاع أعداد النساء المتعلمات والطموحات في سوق العمل. مع ذلك، تُظهر إحصائيات منظمة العمل الدولية، أن مشاركة النساء في القوى العاملة لا تزال الأدنى عالميًا، حيث تبلغ نسبة المشاركة %18 فقط بين النساء اللاتي يبلغن 15 عاماً فأكثر، وفق بيانات عام 2023. بينما تسجل دول مثل البحرين والكويت وقطر والإمارات، معدلات مشاركة أعلى بكثير، تتراوح حول %50، متفوقة على المتوسط الإقليمي.
"نجاح المرأة يعتمد على الإرادة والتصميم"
وقد انعكس هذا التقدم على المرأة الإماراتية، التي حققت نجاحات بارزة في مختلف القطاعات داخل الدولة. تقول الريم الفلاسي، الأمينة العامة للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة: "لم أواجه أي حواجز تمنعني من السعي وراء الفرص في أي مجال أو منصب. وعلى العكس تمامًا، فإن ثقافة دولة الإمارات تدعم المرأة بشكل كبير، وهذا أمر أقدره جدًا". لكن ترفض الفلاسي استخدام مصطلح "التحديات" أو الإشارة إلى وجود سقف ما يعيق تقدم المرأة، مؤكدة: "النجاح يعتمد بشكل كامل على الإرادة والتصميم".
وقد كشف تقرير صادر عن شركة (PwC) في عام 2024 بعنوان "تمهيد طريق عودة المرأة إلى العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" أن نحو نصف النساء العاملات في المنطقة (%44)، مررن بفترات انقطاع وظيفي خلال مسيرتهن المهنية. وكان الدافع الرئيسي هو رعاية الأسرة أو تربية الأطفال أو التعافي من الولادة. في حين يعد إطلاق إمكانات هؤلاء المهنيات أكثر من مجرد مسألة تتعلق بالشمولية في مكان العمل؛ بل يشكل فرصة اقتصادية هائلة. وحسب التقرير، الذي شمل 9 دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك الإمارات، فإن إعادة دمج المرأة بنجاح في القوى العاملة قد يسهم بإضافة 385 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، مما يبرز الحاجة الملحة لتطوير استراتيجيات فعالة لدعم عودتهن إلى العمل.
الأسرة محور أساسي في المجتمع الإماراتي
وبتركيزها على الأسرة كمحور أساسي في هيكلها المجتمعي، تواصل دولة الإمارات استثمارها في رفاهية المرأة والأجيال القادمة. ففي 27 يناير/ كانون الثاني من العام الجديد، أعلن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، عن عام 2025 بوصفه عام المجتمع تحت شعار "يدًا بيد" لتعزيز الروابط الأسرية، والحفاظ على التراث الثقافي، وتعزيز التعاون من خلال المساحات الشاملة.
كما احتلت دولة الإمارات في العام الماضي، المرتبة السابعة عالميًا والأولى إقليميًا في مؤشر الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين، مما يعكس التزامها الراسخ بتمكين المرأة. يمتد هذا التركيز إلى المساواة وجهود الدولة لحماية ورعاية أصغر مواطنيها. فمنذ التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل في عام 1997، عززت الدولة التزامها بحماية حقوق الأطفال، من خلال تنفيذ قانون "وديمة" في عام 2016، الذي أسس آليات شاملة لحماية الطفل، وضمان تكافؤ الفرص في الرعاية الصحية والتعليم. كذلك إطلاق السياسة الوطنية للأسرة في عام 2018، لتعزيز تماسك الأسرة وتوفير بيئة داعمة لأفرادها جميعهم.
فيما أسهم المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، بدور رئيسي في إقرار وتنفيذ مثل هذه الاستراتيجيات لرعاية الأطفال بما في ذلك إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة، إلى جانب الخطة الاستراتيجية لتعزيز حقوق وتنمية الأطفال ذوي الإعاقة 2017-2021، والتي أقرها مجلس الوزراء. وتهدف هذه المبادرات إلى توحيد وتنسيق الجهود على مستوى الدولة لحماية الطفولة ورعاية الأطفال ذوي الإعاقة. تؤكد الفلاسي: "لا تستهن أبدًا بقدرة الطفل على تحقيق الإنجازات". وقد تأسس المجلس عام 2003 في أبوظبي، وكان في طليعة التغييرات التحويلية التي شهدتها دولة الإمارات، حيث تناول الاحتياجات المتطورة للمجتمع، وتأثير الأجيال الجديدة في مختلف المجالات، والدور المحوري للأمهات.
تعزيز مبادرات الصحة النفسية للأمهات والأطفال
وعلى الرغم من كونه جهة اتحادية، حرص المجلس الأعلى للأمومة والطفولة على التعاون الفعّال مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. ففي يوليو/ تموز 2024، أعلن المجلس عن شراكة مع بيورهيلث، أكبر مجموعة للرعاية الصحية في الإمارات، لتعزيز مبادرات الصحة النفسية للأمهات والأطفال في أبوظبي، ضمن إطار الاستعدادات لمنتدى فاطمة بنت مبارك للأمومة والطفولة المنعقد العام الماضي. في هذا السياق، صرحت شايستا آصف، الرئيسة التنفيذية لمجموعة بيورهيلث: "نؤمن بأن الصحة النفسية تشكل حجر الأساس للصحة العامة. وبهذا فإن تبني نظام رعاية صحية قائم على توفير خدمات متكاملة وشاملة، صار حاجة ملحّة". وأشارت إلى أن التعاون مع المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، يدعم خدمات الصحة النفسية وتقديمها على نحو يلبي الاحتياجات الخاصة للأمهات والأبناء، بما يضمن إتاحة حلول رعاية صحية لفئات المجتمع كافة.
في عام 2024، أطلق المجلس برنامجًا متخصصًا بعنوان "الإسعافات الأولية للصحة النفسية" بالتعاون مع اليونيسف، لتعزيز الجاهزية النفسية لدى البالغين والأطفال. وقد شارك في البرنامج متطوعون بالغون، من خلال وزارة الداخلية ومؤسسة الإمارات والعاملين الاجتماعيين في العديد من المدارس.
أما بالنسبة للأطفال، فقد ركز البرنامج على تعزيز دعم الأقران عبر مبادرة اليونيسف "أنا أدعم أصدقائي"، التي تهدف إلى تمكين الأطفال من بناء مجتمع متفهم وداعم. توضح الفلاسي: "هدفنا كان تزويد الطلاب بالدعم النفسي اللازم لمساعدتهم على إدارة التوتر بشكل إيجابي"، مشيرة إلى أن الأطفال غالبًا ما يستجيبون بشكل أفضل لأقرانهم. لذا، وخلال المرحلة الأولى من البرنامج، تم تدريب 270 من إداريي المدارس ومقدمي الدعم الطلابي، ليكونوا دعاة للتغيير في المدارس.
وفي إطار شعار "حق الطفل في الحماية" نظم المجلس ورش عمل تركز على معالجة موضوعات مثل: الفقد، والخوف، والعلاج بالفن. كما أطلق مبادرات مبتكرة، شملت موقعًا إلكترونيًا للصحة النفسية، وخطًا ساخنًا للاستشارات، بالإضافة إلى سلسلة بودكاست تهدف إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية، ودعم الأطفال وأسرهم.
مسيرة الفلاسي
تشكل الفلاسي نموذجًا ملهمًا لدعم الأجيال الشابة في الإمارات لتحقيق طموحاتها. وُلدت في ألمانيا ونشأت في أبوظبي، وحصلت على شهادة في العلوم الاجتماعية من جامعة زايد، قبل إكمال دراستها في القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة السوربون. تقول الفلاسي: "لطالما حلمت بالعمل مع الأطفال". بعد تخرجها، بدأت مسيرتها بالتطوع مع الاتحاد النسائي العام، ثم انتقلت للعمل في مكتب أبوظبي للهوية الإعلامية والمجلس التنفيذي للإمارة. وخلال هذه الفترة، ركزت على القضايا الاجتماعية، إلى جانب شغفها بدعم الأطفال ورعايتهم.
تولت الفلاسي منصبها الحالي، بقرار من المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، في يوليو/تموز 2013. وقد نشأت في ظل عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مستلهمة قيمه، ورؤية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك. مع ذلك، واجهت في البداية شكوكًا حول جاهزيتها لتولي هذا الدور. تقول: "كنت شابة، مما دفعني للتساؤل عن قدرتي على المساهمة في التطوير". لكن كلمات الشيخة فاطمة، التي تذكرها الفلاسي، منحتها الثقة والدعم: "هذا الجيل مختلف، ونحن بحاجة إلى شخص يفهمه ويتواصل معه".
باشرت الأمينة العامة منذ تعيينها، العمل على مبادرات نوعية لتحسين حياة الأطفال في الدولة. ففي عام 2014، أطلق المجلس الأعلى للأمومة والطفولة برنامج الوقاية من التنمر، مستهدفًا معالجة قضية عالمية من خلال تطوير حلول مبتكرة ومخصصة، تراعي المجتمع الإماراتي، بالشراكة مع اليونيسف. وظل هذا البرنامج الأول من نوعه على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
في عام 2014، أطلق المجلس برنامج الوقاية من التنمر، مستهدفًا معالجة قضية عالمية من خلال تطوير حلول مبتكرة ومخصصة، تراعي المجتمع الإماراتي.
توضح بقولها: "في البداية، كنت مترددة بشأن قدرتنا على إحداث تأثير ملموس، إذ كيف يمكن لجهة واحدة أن تغير السلوك في مدارس الدولة جميعها؟ إن التعليم مجال واسع ومعقد، والتحدي بدا هائلًا حينها". وعند تطبيق البرنامج في 63 مدرسة بمشاركة الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والموظفين، تجاوزت أكثر من 10 مدارس التوقعات من خلال تنفيذ أنشطة إضافية لمكافحة التنمر. ومن بين الجهود الأخرى البارزة للمجلس، إطلاق تطبيق "حمايتي" الذي تم تطويره بالتعاون مع مركز وزارة الداخلية لحماية الطفل، لتمكين الأطفال من الإبلاغ عن أي حالات إساءة أو تنمر بطريقة آمنة وسهلة.
مبادرات الوقاية من التنمر
استمرارًا لهذا الزخم، أطلقت الإمارات في عام 2019، جائزة الوقاية من التنمر في المدارس، التي استهدفت أكثر من 240,300 طالب وطالبة. وقد اعتمد البرنامج أساليب تعليمية مبتكرة قائمة على اللعب، لزيادة الوعي وإشراك الأطفال بشكل مباشر في ورش تدريبية لمكافحة التنمر.
لكن لم يقتصر تأثير البرنامج على الدولة، بل توسع دوليًا ليشمل مخيم الإمارات للاجئين السوريين في الأردن. تستذكر الفلاسي بالقول: "لن أنسى زيارتي للمخيم، ومشاهدة التحول الذي طرأ على الأطفال، حيث انتقلوا من الخجل والانطواء إلى التعبير عن الفرح، فضلًا عن الرقص والاحتفال. كانت هذه التجربة دليلًا على التأثير العميق لبرامج التوعية في تحسين نفسية الأطفال، ومساعدتهم على استعادة ثقتهم بأنفسهم". وكان ذلك عقب تنظيم ورش تدريبية لنحو 200 طفل في المخيم حول الوقاية من التنمر، قدمها أطفال من المجلس الاستشاري للأطفال.
بناء اقتصادات المستقبل
أما في إطار بناء اقتصادات المستقبل، فيسهم المجلس في تنشئة جيل من الأطفال المبتكرين ورواد الأعمال. في عام 2020، أطلق المجلس الأعلى للأمومة والطفولة "البرلمان الإماراتي للطفل" الذي يضم 40 عضوًا تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عامًا من مختلف إمارات الدولة، لتعزيز مشاركة الأطفال في القضايا التي تمسهم، وللمساهمة في تنمية المجتمع.
بينما تشيد الفلاسي بنجاح الأطفال في مجالات متعددة، كالطهي، والحرف اليدوية، وإدارة المشاريع الصغيرة، مؤكدة أنهم أصبحوا جزءًا فاعلًا في رسم ملامح المستقبل، سواء أكانوا مخترعين أم أعضاء في البرلمان أم مستشارين. تضيف: "الأطفال في الإمارات لا يكتفون بالأحلام، بل يبتكرون ويبدعون ويقودون. وعندما أرى إبداعاتهم في مجالات مثل البيئة والصحة النفسية، يزداد يقيني بمستقبل مشرق للإمارات".
في العام نفسه، أطلق المجلس مبادرة لدعم الشركات الصغيرة والناشئة، في إطار جهوده لتعزيز المسؤولية الاجتماعية. ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي، يروج المجلس للمشاريع الصغيرة التي تديرها الأسر، وأصحاب الهمم، والشباب، في مجالات متنوعة كالضيافة، والأزياء، والعطور، والحلويات.
فيما هدفت هذه المبادرة إلى تخفيف التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا على رواد الأعمال الصغار، مع تمكين الأطفال من خوض تجربة إدارة أعمالهم الخاصة. كذلك أطلق المجلس سلسلة من الورش الفنية للأطفال والمراهقين، ضمن مبادرة "ماستر كلاس الصغار" شملت: الخياطة، وتصميم المنتجات الجلدية، وصناعة الأوشحة والمجوهرات، وغيرها.
دعم الأطفال النازحين
في عام 2019، أطلق المجلس حملة "أصدقائي في اليمن" التي أسفرت عن جمع أكثر من 10 أطنان من المساعدات.
وإلى جانب جهوده في تعزيز الصحة النفسية ومكافحة التنمر، انخرط المجلس على مدار السنوات الماضية، في مبادرات متعددة لدعم الأطفال النازحين والمعرضين للخطر في الشرق الأوسط. ففي عام 2019، أطلق المجلس حملة "أصدقائي في اليمن" التي أسفرت عن جمع أكثر من 10 أطنان من المساعدات، تم توزيعها على الأطفال في اليمن، بالإضافة إلى مبادرات مماثلة استهدفت النازحين في سوريا وتركيا بالتعاون مع الهلال الأحمر. كما بادر المجلس بإطلاق برامج للدعم التعليمي والمهني، وإنشاء مركز صحي مخصص لرعاية المرأة في اليمن.
وأطلق المجلس برنامج "المتطوع الصغير" لتعزيز وعي الأطفال بأهمية الخدمة المجتمعية، من خلال شراكات مع منظمات محلية ودولية، شملت مبادرات للصحة النفسية تضمن حصول الأمهات والأطفال على رعاية آمنة خلال الجائحة. إلى جانب إنشاء المجلس جمعية أمهات أصحاب الهمم "همة" التي توفر الموارد والدعم اللازم للأمهات، وتقديم نماذج ملهمة للأطفال أصحاب الهمم.
نحو مستقبل أكثر استدامة
في حين تسعى المبادرات الأخرى، إلى تشجيع الأطفال على المشاركة الفاعلة في الجهود الرامية إلى بناء مستقبل أكثر استدامة. ففي عام 2020، أطلق المجلس جائزة البيئة للطفل، بالتعاون مع وزارة التغير المناخي والبيئة الإماراتية، لتنمية الوعي بالبيئة عبر إبراز الإبداع في مجالات: السرد القصصي، والرسم، وإطلاق الحملات التوعوية. وقد حظي الفائزون بفرصة حضور قمة المناخ (COP27) في مصر عام 2022 و(COP28) في الإمارات عام 2023. كذلك شكل المجلس لجنة بيئية للتنمية المستدامة ضمن البرلمان الإماراتي للطفل تحت شعار "حق الطفل في بيئة آمنة ومستدامة".
فيما يحرص المجلس على دعم الأعمال المحلية، وتمكين الجيل القادم، وتهيئة الفرص أمام العقول الشابة لمتابعة شغفها. توضح الفلاسي: "من خلال التواصل مع مختلف القطاعات، بما فيها من دبلوماسيين، ومصممين، وأطباء بيطريين، وغيرهم، يكتسب الأطفال معرفة ملهمة توسع آفاقهم، وتعزز روح الإبداع والريادة لديهم". وتضيف: "عدا عن الجانب التعليمي، يركز المجلس أيضًا على تشجيع الأطفال ليكونوا قدوة لغيرهم، لا سيما في مجالات أخرى، مثل: مكافحة التنمر، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية قوة التفرد".
وبوصفه منبرًا لإعلاء أصوات الأطفال، يستلهم المجلس رؤيته من إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويواصل العمل لتحقيق تطلعات الإمارات. تؤكد الفلاسي: "أؤمن أن أطفال الإمارات سيمضون بهذه الرسالة قدمًا، ليشكلوا مستقبلًا أكثر إشراقًا لنا جميعًا".