في عام 2023، استقبلت موسكو ما مجموعه 24.5 مليون سائح، وهناك زيادة ملحوظة في عدد الزوار من الشرق الأوسط، حيث تزايدت السياحة من دول مثل الإمارات والكويت وقطر لعام 2019 خلال فترة ما قبل جائحة كورونا بنسبة %50 وفقًا ليفغيني كوزلوف، رئيس هيئة السياحة في موسكو. وفي عام 2023 وحده، زار موسكو أكثر من 42 ألف مسافر من دولة الإمارات العربية المتحدة، أي بنحو 8 أضعاف الزوار مقارنة بالعام الذي سبقه.
للتعرف أكثر على ما يجذب الزوار من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، زرت العاصمة الروسية في يونيو/ حزيران من العام الجاري. وبالرغم من أن موسكو وجهة سياحية شهيرة على مدار العام، إلا أنها تشهد إقبالًا سياحيًا أكبر في فصل الصيف. وهذا ما لاحظته منذ وصولي هناك.
استكشاف الكنوز المعمارية

مصدر الصورة: Damira/ Shutterstock.com
بدأت مغامرتي من الساحة الحمراء في قلب العاصمة، التي تُعد أبرز رموز موسكو، حيث وقفت في ناحية من نواحيها الشاسعة، وتأملت جمالها وتاريخها. هنا، تُعقد الاحتفالات وتُمارس الأنشطة الاجتماعية، وفيها تشعر بالانغماس في الحياة اليومية للموسكوفيين.
عند وصولي إلى الساحة الحمراء، جذب انتباهي ذلك البناء المذهل بألوانه الزاهية وقبابه المميزة، كاتدرائية سانت باسيل، التي أسست بين عامي 1555 و1561 بأمر من القيصر إيفان الرابع "إيفان الرهيب" لإحياء ذكرى الانتصار الروسي على خانية قازان. وكان أول ما لاحظته في هذه التحفة المعمارية، تلك القباب الملونة بشكل مذهل، والشبيهة باللهب المشتعل، فضلًا عن تصاميمها المعقدة التي تشكّل منظرًا يشبه الحلم.
اتجهت بعد ذلك للتسوق في مركز GUM أحد أشهر المتاجر متعددة الأقسام في روسيا، الذي لا يقتصر على كونه مركز تسوق عصري وترفيهي فقط، بل إنه معلم فني ذو تاريخ عريق. اليوم، يحل GUM محل مجمع التسوق (Upper Trade Rows) الذي افتتح في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1893. ففي عام 1889 خضع المبنى للتجديد، وتحول تصميمه المعماري إلى ما هو عليه اليوم.
لم تفتني فرصة زيارة أجمل وأعرق المباني التاريخية في العاصمة منذ عام 1537، قصر أرخانجيلسكوي الرائع. ومع كل خطوة خطوتها هناك، شعرت أنني أعود بالزمن إلى القرن السادس عشر، حيث كانت العائلات النبيلة تستمتع بترفيهها وفخامتها في هذا القصر. كما استمتعت بالتجول في الحدائق المذهلة، التي يقال إنها تضاهي في جمالها حدائق قصر فرساي الفرنسي. إن هذا القصر يروي قصصًا من الماضي، ويعرض مجموعة مدهشة من التحف الفنية، والنصب التذكارية الرائعة التي تخلد ذكرى شخصيات بارزة، مثل: كاترين الثانية، وألكسندر بوشكين.
رحلة عبر الثقافة والعروض الفنية
كانت زيارة مسرح البولشوي الشهير والمؤسس عام 1776 جزءًا مهمًا من رحلتي، حيث استمتعت بمبناه الرائع وعروضه العالمية. جلست في صمت على مقاعد المسرح مفتونة بجمال تصميمه، حيث زين هذا الصرح بأفخم الستائر والمقاعد، وعلّقت فيه أفخم الثريات. خلال ذلك حضرت بإعجاب أداء الباليه لفرق من روسيا وكوريا الجنوبية، مما أضفى على الأمسية سحرًا خاصًا. كانت اللحظات التي عشتها هناك كافية لأفهم لماذا يعد مسرح البولشوي من أرقى مسارح الأوبرا والباليه في العالم.
بعد زيارتي للمسرح، توجهت إلى سيرك نيكولين الشهير في شارع تسفيتنوي، الذي يُعد من أقدم وأشهر عروض السيرك في موسكو. وحضرت عرض ماتريوشكا الذي يتضمن مجموعة متنوعة من الفقرات الترفيهية.
كان العرض مذهلًا بفقرات المهرجين ولاعبي الجمباز والبهلوانيين، والخيول المدربة والدببة وحيوانات أخرى. تألقت الفقرات بحرفية عالية، حيث قدم الفنانون عروضهم بأداء يجمع بين البراعة والإثارة، مما أبهر الحضور. وتميز العرض بتنوعه واحتوائه على العديد من الألوان والرموز التقليدية التي تعكس الهوية الروسية.

مسرح البولشوي الشهير مصدر الصورة: BreizhAtao/ Shutterstock.com
كما تميز العرض بفقرات الماتريوشكا الشهيرة، التي تعد من رموز الثقافة الروسية. وهي دمية خشبية تقليدية تحتوي بداخلها على دمية أصغر، ثم الأخرى بداخلها واحدة أصغر، لتتعدد من 5 إلى 30 دمية، حسب الطلب. وتمثل هذه الدمية قيمة رمزية للعائلة والوحدة والتقاليد الروسية. وتعود أصول الماتريوشكا أو دمى التعشيش أو البوبوشكا إلى عام 1890، حين صممها لأول مرة الفنان الروسي سيرجي ماليوتين، وصنعها الحرفي فاسيلي زفيوزدوشكين.
جولة في ردهات الكرملين

Dennis MacDonald/ Shutterstock.com
صعدت إلى تلة بوروفيتسكي، حيث يلتقي نهرا موسكفا ونيغلينايا، وأمامي جدران الكرملين العتيقة، كأنها تحكي قصصًا من عصور مختلفة. كنت محاطة بالأسوار التي تحمي هذا المجمع السياسي والديني والتاريخي، وتملكتني الدهشة لجمال المشاهد المحيطة به، من الجدار الجنوبي المطل على نهر موسكفا إلى الجدار الشرقي الذي يفصله عن الساحة الحمراء. فيما يشكل كرملين موسكو مثلثًا غير منتظم، وتبلغ مساحته 27.5 هكتار. وقد زرت أيضًا مستودع الأسلحة داخله، وهو مخزن ملكي خاص يحتوي على مجموعة مذهلة من المجوهرات الثمينة والأسلحة القيمة، ومقتنيات ملوك روسيا.
بدأت جولتي في المستودع بزيارة المتحف الذي صممه المهندس المعماري كونستانتين تون عام 1851. ومنذ اللحظة التي دخلت فيها المبنى شعرت بعراقة التاريخ، سيما أن المتحف يحتوي على حوالي 4 آلاف قطعة فنية من روسيا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم، يمتد تاريخها من القرن الرابع حتى مطلع القرن العشرين.
ومن القطع البارزة التي أثارت إعجابي، قبعة مونوماخ، التي تعد رمزًا للحكم القيصري في روسيا. وهي مصنوعة من الفرو والذهب، ومزينة بالجواهر الثمينة، مما يعكس البذخ والفخامة التي كانت تعيشها العائلة المالكة الروسية.
تجولت بين الأقسام المختلفة للمستودع، حيث شاهدت مجموعة من الأسلحة الملكية، بما في ذلك السيوف والدروع والخناجر التي استخدمها القياصرة الروس في معاركهم. بالإضافة إلى مجموعات من العروش الملكية المزينة بالذهب والأحجار الكريمة.
بعد الانتهاء من جولتي في مستودع الأسلحة، توجهت إلى متحف الألماس، الذي افتتح في عام 1967 داخل منطقة الكرملين. ويضم مجموعة فريدة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الدولة الروسية، كما يضم مجوهرات رائعة يمتد تاريخها من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين. لقد أبهرتني المعروضات البديعة هناك، كالتيجان والأساور والقلائد المرصعة بالألماس والأحجار الكريمة، إذ لكل منها تاريخ وقصة تصور أحداثها ماضي الحياة الملكية في روسيا.
أخيرًا، ختمت زيارتي لمنطقة الكرملين بجولة في قاعة العرض الكبيرة، التي بدت كمعرض لقطع فنية مذهلة وقّعها أبرز الحرفيين والفنانين الروس. حيث تنوعت المعروضات بين أعمال فنية رائعة، وعربات سفر تعود إلى القرنين السابع والثامن عشر، سيما في عهد الإمبراطورة إليزافيتا بيتروفنا، التي حكمت روسيا من عام 1741 حتى وفاتها في عام 1762. في حين أضفت العربات المصممة بشكل يشبه تلك في قصة سندريلا والأمير، لمسة من الخيال والسحر إلى الجولة. كانت هذه التجربة غنية بالمعلومات والجمال، وخلَّفت لدي انطباعًا عميقًا عن تاريخ وثقافة روسيا وفنها الرائع.
معرض (VDNKh) استكشاف الإنجازات والتقاليد

مصدر الصورة: SSV.Photo/ Shutterstock.com
لطالما سمعت عن (VDNKh) أكبر معرض ومتحف ومجمع ترفيهي في العالم. حيث يلخّص هذا المكان إنجازات الاقتصاد الوطني لروسيا منذ افتتاحه في أغسطس/ آب 1939، وعرف آنذاك بمعرض الاتحاد الزراعي العام (VSKhV)، ثم معرض الإنجازات الاقتصادية الوطنية (VDNKh). ويمتد المعرض على مساحة تتجاوز 300 هكتار، كما يستضيف مشاريع المتاحف والمعارض، بالإضافة إلى معارض الأعمال الدولية والمؤتمرات والمهرجانات واحتفالات العطلات.
أثناء التجول في (VDNKh) شاهدت تحفًا معمارية مذهلة تمثل الأنماط المختلفة للعصر السوفييتي، كالنصب التذكارية "العامل والمرأة المزارعة" ونافورتي "الصداقة بين الشعوب" و"الزهرة الحجرية" وغيرها. كذلك لفتت انتباهي الأجنحة المخصصة للزراعة والثقافة السوفييتية والفضاء.
وفي جناح (43) موطن مركز تقاليد الفروسية الوطنية ونادي الفروسية الرياضي، تعرفت إلى تاريخ وتقاليد تربية الخيول في روسيا. يعود تاريخ الجناح إلى عام 1954، وكان في الأصل جزءًا من مجمع "تربية الخيول" الكبير. هناك استمتعت بمشاهدة عروض سلالات الخيول، وتعرفت إلى نادي الفروسية الذي يقدم دروسًا في ركوب الخيل، وعلى الفرس ذي الأصل العربي "إكلير".
مع ذلك كان جناح الكون (الفضاء) من أبرز محطات زيارتي. وقد أنشئ في أغسطس/ آب 1939، ويشمل نموذجًا كامل الحجم لمركبة الإطلاق فوستوك، كما يضم مركز الفضاء والطيران الذي يحتوي على نحو 1500 قطعة ومستند، بما في ذلك نماذج ومعدات فضائية أصلية ووثائق نادرة. أما النموذج الكامل للمحطة الفضائية الدولية، مير، فكان من أبرز المعروضات، فضلًا عن مجسم مركبة الفضاء المستقبلية التي تعزم روسيا على إطلاقها عام 2035.
تجربة غنية ومتنوعة
لقد أتاحت لي هذه الزيارة أبوابًا عديدة، ظهر لي من خلالها جوانب مختلفة من حياة موسكو؛ المدينة التي توازن بين تاريخها العريق وروحها الشابة. إنها رحلة ممتعة عبر الزمن والثقافة، عدت منها بذكريات يصعب على المرء نسيانها.