خالد القرم - أديب بالفطرة

خالد القرم - أديب بالفطرة

هارب من الآلام

قصة قصيرة للأديب خالد القرم ابن كفر العدوي - مركز فاقوس - محافظة الشرقية.


أعترف بأن عنوان قصتي وقع من نفسي موقع الغرابة فليس الهروب من الأيام شيئاً متاحاً للأحياء مهما فعلوا إلا أن يفرضوا على أنفسهم الموت أو أن يفرضوا عليها الغفلة المطلقة فإلا أن الحي أسير الزمان ويدخل فيه منذ أن تشيع الحياة فيه ولا تخرج منه إلا حين تنقطع الأسباب بينه وبين الحياة أو حين تضطر نفسه إلى الذهول الكامل الذي يصرفه عن كل شيء ويقطع الصلة أو يخيل إلى صاحبه أن يقطع الصلة بينه وبين الزمان والمكان وما يتعاقب فيهما من الأحداث وما يلم بالأحياء والأشياء بينهما من مفارقات وإنني أقدر الهارب من الأيام في هذه القصة هذا هو عمدة بلدنا الذي جعلته محوراً تدور الأحداث حوله والذي انتهى في آخر القصة إلى أن يترك منصبه ويهجر قريتنا التي كان يدير أمرها تدبيراً متصلاً ولكن هذا العمدة لم يهرب من الأيام وإنما هرب من منصبه ولذلك هرب من القرية بأكملها ورحم الله أبا العلاء الذي أنبأنا بأن لا مهرب من الزمان للكائن الحي ما دام حياً وذلك في بيته الرائع "ولو طار جبريل لبقية عمره من الدهر ما استطاع الخروج من الدهر" وأكبر الظن أن هذا العنوان راق لي شيئاً من الغرابة والغموض يدهشني ويدهش القراء بعد ذلك وإن كان شيء منهما لم يروعني ولو أنني أطعت العنوان لانصرفت عن قراءة قصتي وحرمت نفسي متعة قيمة حقاً قد أتيح لي حظاً جيداً من الإجادة مكنني من أن أفرض على نفسي المضي في كتابة القصة حتى إذا بدأتها أفرض على نفسي قراءتها ولم أباعد بينهما من الزمان لأنني وجدت فيها روحاً عذباً يجري في ألفاظها وترتيب الأحداث فيها وأستخرج بعض هذه الأحداث من بعض من غير تكلف ولا تصنع ودون أن أثير أساساً ضرورياً من المشكلات التي تمنع عن القراءة هنا وهناك وإني نفسي قد مضيت في كتابة القصة ولم أشعر بشيء من العناء فيما بيني وبين نفسي لأقدم للقارئ شيئاً صادقاً ودون أن أحس بهذا النعيم وما أظن الواقع بيني وبين الكتاب المشهورين لأنني ما زلت مبتدئاً لم يعرفني أحد ولم تقدر لي الظروف أن أقابل مثلاً يظهرني في صورة جميلة وإنني لم أتصور الواقع كما يتصورونه ليصورونه وكما يحبون أن يصوره غيرهم من الذين يعرضون قصصهم وإن كانت خاصة جداً فأنا أعرض عليكم قصة قرية صارمة مطمئنة التي ينعم أغنياؤها بالعيش ويشقى فقراؤها بالعيش أيضاً ولكنهم قد تعودوا على الشقاء وعرفوه فهم لا يشتكون منه ولا يظهرون الضيق منه لأنهم قد عرفوا أن في طبيعة الحياة يوجد الفقراء والأغنياء ولأن لا يضيقوا بما قسمه الله تعالى لهم واسم هذه القرية هي قرية (ميت العز)، وأول ما رأيته أن العمدة قد أفاق من نومه آخر الليل وهو يحرص على شيئين هما أشد الحرص هي صلاة الفجر قبل أن يفوت وقتها ويحضر له الخفير الماء للوضوء ويرى هذا طبيعياً لا غرابة فيه وهو يجري على لسانه فهو يقدم لبعض الأدعية التي يرددها دائماً الأتقياء والصالحين حين يتوضأون ولكنه يقطع هذه الأدعية حيناً بعد حين بأسئلة عن زوجته وعن ابنه وعن (محمود) هذا البائس الذي وعده بهدية من المأكولات المفضلة عنده لأنه أصلح بينه وبين زوجته التي كانت مغاضبة له أما الأمر الثاني الذي يحرص عليه أشد الحرص فهو إرضاء حاجته إلى الإفطار وهو يسأل عما سيقدم إليه وأتم (الصلاة ومحمود) هذا يخبره بذلك في شيء من التفصيل كأنه يريد أن يثير نهمه لأنه أصلح لأمر بينه وبين زوجته التي كانت مغاضبة ولا تقبل الطعام الذي تحمله ابنته ذات الجمال الرائع والحسن البارع والرجل فرح بطعامه مبهور بجمال ابنته ولا ينقض حرصه على أن يعد لهذه الفتاة النضرة الجميلة زوجاً غنياً وموفوراً.
مع تحيات الأديب
أ/ خالد القرم